|
تفاعلات حضارية
وأفكار للنهوض

الدين
والنظام العالمي
بحثا
عن منظور إسلامي للنظام العالمي
الحديث
عن الدين في العالم المعاصر متصل ، في مختلف دوائر عالمنا الحضارية. وإذا
كانت هذه الظاهرة ليست جديدة في دائرتنا الحضارية وحضارات الهند والشرق
الأقصى ، فإنها جديدة في دائرة الحضارة الغربية التي سيطرت عليها في القرون
الثلاثة الماضية علمانية دهرية تنكر الدين أو تضعه جانبا. وقد تابعت هذا
الجديد الذي يشهده الغرب على مدى العقدين الماضيين من السنين ، وأفردت للحديث
عنه جزءا من كتابي الأخير
تجديد الفكر استجابة لتحديات العصر.
لفت
نظري في هذه المتابعة أن قطاعا من المتدينين الغربيين يطمح إلى أن يقوم
الدين بدور في تسيير أمور عالمنا. ويتحمس هذا القطاع لفكرة تلاقي
المؤمنين بالدين من مختلف أنحاء عالمنا ليعملوا معا ويتعاونوا لبلوغ هذا
الهدف. وقد استطاع هؤلاء أن يجذبوا
اليونسكو لتشارك في الدعوة إلى
إسهام
الأديان في ثقافة سلام. كما نجحوا في دفع
الهيئة الأوروبية لتجعل الدين
ضمن اهتماماتها وتضع موضوعه على جداول أعمال
الاتحاد
الأوروبي.
هناك
في الولايات المتحدة الأمريكية أيضا دعوة ينهض بها بعض المؤمنين لإدخال الدين
في النظام العالمي. وقد دعت منظمة
التربية الكوكبية ومقرها نيويورك مؤخرا
لمؤتمر بعنوان
الدين والنظام العالمي ، عقد في ربيع عام 1997 ، ورغبت إلي
أن أعرض رؤية إسلامية لهذا الموضوع. فكان أن استجبت. وبدا لي أن أستهل حديثي
بتحديد المفاهيم.
تعيش
الإنسانية في نهاية الألف الميلادية الثانية عصرا حافلا بإنجازات ووعود من
جهة ، وبأنواع من المعاناة والأخطار التي تتهددها من جهة أخرى. ويقف إنسان
العصر وهو يستقبل الألف الميلادية الثالثة متأملا في نفسه وفيما حوله ، يمعن
النظر ويعمل الفكر في كيفية رفع المعاناة عن كاهله ، ودفع الأخطار التي
تتهدده وأمه الأرض والمخلوقات الحية الأخرى من جهة ، وفي كيفية تحقيق مزيد من
الإنجاز والوفاء بالوعود لما فيه خير الإنسانية. ويصل به هذا التأمل إلى
ضرورة العناية بالنظام العالمي الذي ينظم أمور كوكبنا الأرضي والاجتماع
الإنساني فيه، كما يصل به إلى استشعار حاجته الماسة إلى الدين للتواصل مع
خالقه وخالق كل شيء طلبا للهداية والعون. وهكذا يبرز موضوع
الدين والنظام
العالمي ، داعيا المؤمنين بالله سبحانه إلى أن يقاربوه من منظور ما يدينون
به ، ويطرحوا رؤية دينهم له.
يعالج
هذا البحث موضوع الدين والنظام العالمي من منظور إسلامي محاولا الإجابة عن
الأسئلة المطروحة في إطاره ، وبلورة رؤية إسلامية له. ويمهد لذلك بالوقوف
أمام مصطلح النظام العالمي بغية تحديد مفهومه المعتمد في هذا البحث. كما
يقف أمام مصطلحي
الدين و الإسلام ليقدم
المفهوم الإسلامي لكل منهما.
ويتناول الموضوع في ضوء أسئلة تتردد في أوساط المعنيين.
النظام
العالمي مصطلح حديث ، اقترن ظهوره بثورة العلم والتقنية التي شهدها عالمنا
حوالي منتصف القرن العشرين والتي أحدثت ثورة في الاتصال بين أنحاء العالم
المختلفة. وقد استخدمت في هذا المصطلح كلمة
النظام التي يجري استعمالها في
أكثر من علم. وهي تعني اصطلاحا بصورة عامة
مجموعة القواعد والاتجاهات العامة
التي يشترك في اتباعها أفراد أو دول ، ويتخذونها أساسا لتنظيم حياتهم الجمعية
وتنسيق العلاقات التي تربط بعضهم ببعض وتربطهم بغيرهم ، ويقوم عليها بناء
سياسي أو اجتماعي أو اقتصادي أو ثقافي ، وما يجري في هذا البناء من تفاعلات ،
والعلاقات المحددة لطريقة أداء العملية السياسية. كما استخدمت في هذا المصطلح
كلمة العالمي لتنسب النظام إلى العالم كله ليكون شاملا الكرة الأرضية
Globe.
واضح
أن استشعار الحاجة إلى وجود
نظام عالمي في عصر
ثورة الاتصال وثيق الصلة
بحدوث تحولات على صعد عدة تؤثر على حياة الإنسان في كوكب الأرض أينما كان.
وقد ظهر مصطلح
الكوكبة
Globalisation بقصد
إبراز التداخل الواضح لأمور الاقتصاد والثقافة والاجتماع والسلوك دون غيرها
من الدول. وكثيرة هي مظاهر
الكوكبة في عالمنا في الاقتصاد والثقافة
والفنون الإعلام. ويسهم في صنع هذه التحولات ظهور فعاليات جديدة هي الشركات
متعددة الجنسيات
TNC’S التي
تتسم بالضخامة وتنوع الأنشطة ، والانتشار الجغرافي ، والاعتماد على المدخرات
العالمية ، وتعبئة الكفاءات من مختلف الجنسيات. وتبرز بفعل هذه التحولات
قضايا لها صفة
العالمية مثل قضية الممتلكات العامة البشرية من بحار وفضاء
وقارة قطبية جنوبية ، وقضية صيانة البيئة وتحركات سكان الأرض ، وقضية الفقر
في العالم ، وقضية الجريمة المنظمة. كما تثور تساؤلات لها صفة العالمية أيضا
حول دور الدولة في ظل التحولات هذه ، وعن دور الجماعات الأهلية في أوطانها ،
وعن المنظمات الأهلية متعدية الجنسيات التي قامت مؤخرا في إطار الكوكبة في
الغرب بخاصة ، فضلا عن دور منظمة الأمم المتحدة والمنظمات المتخصصة المنبثقة
عنها. وقد أحسن إسماعيل صبري عبد الله شرح هذه التحولات في بحثه
الكوكبة
الذي رجعنا إليه في البحث.
إن
تشييد بناء نظام عالمي يحسن معالجة هذه القضايا والإجابة عن هذه التساؤلات هو
مسؤولية الإنسانية جمعاء ، يجب أن ينهض بها البشر أجمعون. وهو لايزال هدفا
تضع البشرية نصب عينها تحقيقه. وقد عني عدد من المفكرين بالحديث عنه منذ
انتهاء الحرب العالمية الثانية ، واحتدم نقاش حوله في مطلع التسعينات حين
تحدث الرئيس الأمريكي جورج بوش عن إقامة
نظام عالمي جديد. وأكد هذا النقاش
الذي عرضناه في كتابنا
عمران لا طغيان على المسؤولية الجماعية لأمم العالم
في بناء النظام العالمي الذي لا يمكن لأي دولة مهما كانت كبيرة أن تنفرد
بإقامته ، لأنه يجب أن يستلهم قيم الحضارات الإنسانية العلا جميعها ويعبر عن
إرادة المجموع.
ومما
يلفت النظر ويبشر بالخير طرح مبادرات تسير في هذا الاتجاه لبلورة رؤية عالمية
مشتركة لهذا النظام العالمي ، ومنها مشروع
الدين والنظام العالمي الذي تنهض
به مؤسسة التعليم الكوكبي
GEA. وقد
أحسنت باتريشيا ميتشي صياغة الأسئلة المتصلة بهذا المشروع حين قالت
السؤال
الذي نحن بصدده ليس ما إذا كان سيقوم نظام عالمي جديد ولكنه أي نوع من النظام
العالمي؟ وعلى أي أساس من القيم؟ وبأي رؤية وروح؟ وما هي السياسات والمبادئ
التي توجهه؟ وبأي أبنية مؤسسية وأنظمة يقوم؟ ومن يصوغ هذا النظام العالمي
الجديد؟ ولمنفعة من؟ وهل ستتحكم فيه قوى الاقتصاد والعسكرية؟ أم يكون نظاما
أصيلا قائما على المشاركة يحكمه قانون دولي فعال أساسه المساواة والنمو
الاقتصادي والبيئي؟ هل سنمسك باللحظة التاريخية في فجر قرن جديد لنطر نظاما
عالميا يفيدنا جميعا، وليس بعضا منا فقط ، ويفيد أيضا من يأتي
بعدنا؟.
حين
نبحث في المنظور الإسلامي لموضوع
الدين والنظام العالمي نستشعر الحاجة لشرح
المفهوم الإسلامي. لكل من مصطلحي
الدين و الإسلام.
الدين
في اللسان العربي يدل على معاني الحسان والطاعة والعادة والشأن والحال
والسيرة والحكم والقضاء. وهو اصطلاحا يطلق على الشرع ، وهو
وضع إلهي يشتمل
العقائد والأعمال ، ويطلق على كل ملة نبي ، وقد يخص بالإسلام
إن الدين عند
الله الإسلام. و
الدين اصطلاحا هو
الشرع المنزل عند الله ليكون منهاجا
للحياة. وهو بمعناه العام في مفهوم التصوف الإسلامي ناموس أبدي مطلق ،
وبذوره كامنة في كل نفس حية ، وهو يشمل في محيطه الواسع بذور كل ديانة وملة
قديمة أو حديثة ، وأساسه العام وحدة الخالق وخلود النفس وشيوع الحب ، وضبط
معاملة الإنسان لأخيه على قاعدتي العدل والإحسان ، ثم اعتقاد وجود الثواب
والعقاب في عالم غير هذا العالم.
ويلاحظ محمود أبو الفيض المنوفي الذي
شرح هذا المفهوم في كتابه
الدين المقارن أن
لكل دين ظهر في الجامعة
الإنسانية مهما كان نوع تعاليمه ، وجهان من التعليم : وجه سري باطني ، وآخر
ظاهري فكري عملي ، وأن
أول عبادة ظهرت من ضمير الإنسان كان عبادة الله
على أبسط أشكال العبادة ، ثم جاءت الطقوس. كما يلاحظ
أن جميع الديانات خرجت
رجالا فضلاء أدهشوا العالم بسمو أفكارهم وعظم أعمالهم ومتانة أخلاقهم وترفعهم
عن صغائر عالمنا الأرضي إلى سماء المعرفة الحقة.
الإسلام
في اللسان العربي هو
الخضوع والاستسلام لأمر الله ، بطاعته والاستجابة
لأوامره ونواهيه. وهو اصطلاحا
دين الله في الأرض منذ خلق الله الإنسان حتى
قيام الساعة. فجميع الأنبياء والمرسلين كانوا
مسلمين لله. وهو أيضا ما نزل
به الوحي السماوي على محمد خاتم الأنبياء والمرسلين في
القرآن الكريم.
والإسلام يسلم بسائر الكتب المنزلة والرسل
آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه.
والمؤمنين كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله. لا نفرق بين أحد من رسله.
وقالوا سمعنا وأطعنا. غفرانك ربنا وإليك المصير. وهكذا فإن
الأديان التي
أوحى بها الله سبحانه وتعالى ، تمثل في المنظور الإسلامي حلقات مترابطة في
سلسلة الدين الواحدة. وكأنها سيال واحد من النور لا لون له غير الحقيقة.
ومؤسسوها من الرسل والأنبياء يمثلون عائلة واحدة ذات أفرع. والإسلام دين يقوم
على التوحيد. وهو يوفر رؤية للكون والحياة والإنسان. ومن خصائصه إعلاء شأن
العقل والحث على التفكير العقلي ، والاعتقاد بالعلاقة المباشرة بين الإنسان
وخالقه ، والإيمان بأن التدين فطري في الإنسان ، وشمول الأحكام الخاصة بالفرد
والمجتمع ، وتغير فروع هذه الأحكام بتغير ظروف الأزمان ، والحث على التجديد ،
واعتماد الشورى أساسا للبحث في الأمور العامة على مختلف
الصعد.
لقد
كان دين الإسلام عاملا أساسيا في ازدهار حضارة إنسانية ظللت دائرة واسعة من
البلاد واستمرت قرونا. واشتهرت هذه الحضارة باسم
حضارة الإسلام. وكثيرا ما
ينصرف مصطلح الإسلام إليها ، فيجمع بين كونه دينا وحضارة. وقد أسهم في
تشييد حضارة الإسلام مؤمنون من المسلمين والنصارى واليهود ومن ملل أخرى ،
وأقوام كثيرون. وهؤلاء جميعا يشعرون بانتمائهم إلى هذه الحضارة التي شهدت
ممارسات عملية للمبادئ والقيم الدينية. وهي تسمى أيضا الحضارة العربية
الإسلامية لكون اللسان العربي جامعا مشتركا بين شعوبها في العلوم الدينية
بحكم أن القرآن نزل بالعربية.
إننا
حين نتحدث عن رؤية إسلامية للدين والنظام العالمي ، فإن في اعتبارنا هذه
المفاهيم لكل من الدين والإسلام والنظام العالمي.
العمل في اتجاه
أخلاق كوكبية مشتركة
إن واقع النظام
العالمي يشير إلى أنه يعاني من أزمة قيم مستحكمة. وهو يؤكد أن الافتقار إلى
قيم ومبادئ مشتركة يحكمها معيار واحد ، يؤدي إلى تفاقم معاناة الإنسان
المعاصر. وواضح أن بناء مستقبل زاهر للإنسانية يتطلب نهوضا روحيا وأخلاقيا ،
ونظاما عالميا عادلا له أبعاده السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية
والتشريعية ويحكمه قانون أخلاقي.
حين
ننظر فيما يمكن للإسلام –دينا وحضارة- أن يسهم في
اخلاق كوكبية مشتركة ،
نجد بداية أن كتابه المنزل
القرآن حافل بالتعاليم الأخلاقية التي يمكن أن
نستخلص منها دستورا للأخلاق. وهذا ما قام به الشيخ محمد عبد الله دراز في
أطروحته الأخلاق في القرآن التي نال عليها دكتوراه الدولة من السوريون. وقد
ميز الشيخ دراز في القانون الأخلاقي بين فرعي النظرية والتطبيق. وكشف في بحثه
عن الأخلاقية العملية في القرآن عن ثلاث خصائص مجملها
أنها حفظت تراث
الأسلاف ودعمته ، وأنها وفقت بين الآراء المختلفة التي فرقت أخلاقهم ، وأنها
رفعت ذلك البناء المقدس وجملته حين ضمت إليه فصولا كاملة الجدة ، رائعة
التقدم ختمت العمل الأخلاقي. ويوضح الشيخ دراز أن النظرية الأخلاقية كما
يمكن استخلاصها من القرآن مقارنة بالنظريات الأخرى قديما وحديثا تستند على
فكرة الإلزام L’obligation
، وفكرة المسؤولية ، وفكرة الجزاء ، وفكرة النية والدوافع ، وأخيرا فكرة
الجهد. وقد شرح باستفاضة هذه الأفكار الخمسة ، بما لا يتسع مجال هذه الورقة
لعرضه. وانتهى إلى تفصيل الأخلاق العملية كما جاءت في القرآن بعد أن بوبها
إلى الأخلاق الفردية ، والأخلاق الأسرية ، والأخلاق الاجتماعية وأخلاق الدولة
، والأخلاق الدينية ، وختم بإجمال الفضائل الإسلامية.
واضح
أن الحاجة ماسة في عالمنا المعاصر لجميع هذه الأخلاق. وهناك موضوعات تلح
علينا بشكل خاص تتطلع إلى إسهام الأديان في بلورة أخلاق كوكبية
بشأنها.
فيما
يخص موضوع السلام والأمن
Peace
And Security نجد
أن الإسلام يجعل السلام هدفا يستحق أن نعمل لبلوغه ، ويعتمد مبدأ أن السلام
هو الأصل والقاعدة في العلاقات بين الإنسان ونفسه ، فيما يسميه سيد قطب
سلام
النفس في كتابه
السلام العالمي والإسلام ، وبين الإسلام وأسرته ، ثم
مجتمعه ، وصولا إلى السلام العالمي. وينطلق هذا المبدأ من أن السلام هو أحد
أسماء الله الحسنى فهو
السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر. ويوضح
القرآن أن الله خلق الناس من ذكر وأنثى وجعلهم شعوبا وقبائل ليتعارفوا ، ومن
ثم ليتعاونوا على البر والتقوى في ظل السلام. وهو يدعو المؤمنين به إلى أن
يقيموا علاقاتهم بالآخرين الذين لم يقاتلوهم ولم يخرجوهم من ديارهم على أساس
من البر والقسط. ويأمرهم ألا يعتدوا
إن الله لا يحب المعتدين ، وأن
يجنحوا للسلم- في حالة نشوب الحرب- إذا جنح المعتدي للسلم وكف عن عدوانه.
إن
الإسلام في حثه على السلام يعترف بوجود الصراع ، ويتخذ موقفا منه نابعا من
التصور الإسلامي للكون والحياة والإنسان. وهو ينطلق من هذا الاعتراف إلى
توجيه الناس لكيفية إنهاء الصراع على مختلف الصعد ، النفس والأسرة والمجتمع
والاجتماع الإنساني العالمي. وقد فصلت الحديث عن موقف الإنساني العالمي. وقد
فصلت الحديث عن موقف الإسلام من الصراع في كتابي
تجديد الفكر استجابة
لتحديات العصر. وأوضحت أن السلم هو الأصل حين يقام الميزان بالقسط ، وأن
القتال هو الاستثناء حين يستلزم الأمر مواجهة الطغيان والبغي بغير حق بفعل
طغي في الميزان وشن عدوان. والقتال هنا
جهاد ولرد الحقوق المغتصبة وقمع
العدوان ونصرة المظلوم. وقد جاءت تعاليم الإسلام متضمنة توجيهات بشأن انتهاء
الحرب ومعاملة الأسرى بتحريرهم ، ومؤكدة على الوفاء بالعهد. كما عرضت في ذلك
البحث لما كانت عليه ممارسة مبادئ الإسلامية في تاريخ الحضارة الإسلامية. وهو
تاريخ حفل بكثير من الأمثلة الإيجابية لهذه الممارسة ولم يخل من أمثلة سلبية
لها.
الأمن-
في المنظور الإسلامي- نعمة من نعم الله على عباده ، فهو سبحانه الذي يطعمهم
من جوع ويؤمنهم من خوف. وهذا الأمن يتحقق في النفس الإنسانية بالإيمان بالله
سبحانه وتعالى ، والصبر عند الابتلاء بالخوف والجوع ونقص في الأموال والثمرات
، والسعي لاستتباب الأمن المجتمعي من خلال الالتزام بأن دم
الآخر وماله
وعرضه حرام ، ومن ثم الوصول إلى الأمن الجماعي العالمي. وبلوغ السلام ضروري
لاستتباب الأمن ، تماما كما أن استتباب الأمن يجعل السلام راسخا.
فيما
يخص موضوع العدل الاقتصادي والاجتماعي
Economic
& Social Justice نجد
أن الإسلام يؤكد على مبدأ العدل ويدعو إلى اعتماده حتى مع من نكره
ولا
يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا. اعدلوا هو أقرب للتقوى. واتقون يا أولى
الألباب. وقد قرن الإسلام بين السلام والعدل ، فهما في منظوره هدفان
متلازمان. فأي نظام عام لا يقوم على العدل لابد وأن تولد فيه التوترات
والصراعات التي تهز أركان السلام وتفقد الإنسان الأمن. وقد أوضح مجيد خدوري
في كتابه المفهوم الإسلامي للعدلأن هذا ما يجعل العدل هو المفتاح للسلام
الدائم. وهو يلاحظ أن في القرآن الكريم حوالي مائة تعبير يفيد معنى العدالة
باستخدام لفظ
العدل مباشرة أو ألفاظ
القسط و الميزان والنصيب. ومنها
قوله تعالى وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل وقوله
أن الله يأمر
بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وقوله
وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا
قربى. والإسلام ينهى بقوة عن الظلم ويذكر خدوري
أن في القرآن أكثر من
مائتي آية ضد الظلم بأشكاله تتحدث عنه وعن
الإثم والظلال وما
شابههما.
اختلفت
مقاييس العدل من مكان لآخر ومن زمان لآخر بحسب النظام العام والمجتمع
والمرحلة التاريخية. ونظرية الإسلام في الحكم تجعل الوحي مصدر العدالة
ومقياسها. فالله سبحانه أوضح للإنسان ما هو عادل وما هو جائر. والإنسان مدعو
لأن بكون عادلا على مختلف الصعد، في السر والعلن. وقد حفل تاريخ الحضارة
الإسلامية بأمثلة رائعة على تطبيق هذه النظرية وفي السيرة النبوية بخاصة,
ويقول خدوري إن الرسول محمدا الذي كان يتميز بحس عميق للعدالة وجد الظلم
والطغيان سائدين في مجتمعه ، فسعى إلى إقامة نظام يسوده العدل. وتعامل مع
مشكلات عصره بالاستقامة والقسط والميزان وتصدى لأشكال التفرقة والأعمال غير
الإنسانية السائدة .. وحرص وهو يسلم بقيمة الشجاعة والفضائل الأخرى على أن
يؤكد القيم الروحية ليمنع القسوة والشدة.
إن
مفهوم العدل في الإسلام ينطلق من رؤيته الكونية التي تؤكد أن التوازن يحكم
الكون الذي خلقه الله سبحانه ، فكل شيء
بحسبان ، ولابد من
الميزان
واعتماد القسط في الوزن.
سورة الرحمن. وأبسط تحديد لهذا المفهوم هو
أن
يحب المرء لأخيه ما يحبه لنفسه ، وأن لا يرضى أن يصيب أخاه مالا يرضاه
لنفسه.
وهكذا
يبرز مقياس واحد للعدل يحفظ له روحه وجوهره ، ويجنبنا ازدواج المقياس. كما
أوضحت في كتابي
وحدة التنوع وحضارة عربية إسلامية في عالم
مترابط.
فيما
يخص موضوع حقوق الإنسان
Human
Rights نجد
أن الإسلام يقرر بداية تكريم الله للإنسان
ولقد كومنا بني آدم ، ويرسي من
ثم مبدأ كرامة الإنسان. وهو يحث على حفظ حقوق الإنسان في أجياله كلها عبر
رحلة العمر ، طفلا وحدثا وبالغا أشده وشيخا ، وذكرا وأنثى. وكثيرة هي الآيات
القرآنية والأحاديث النبوية التي تبين هذه الحقوق. وقد عني الفقهاء بشرحها
وتبويبها ، فتجمعت ذخيرة فقهية غنية. وكما عني الإسلام بحقوق الإنسان الفرد ،
نجده قد عني بالحقوق الاجتماعية ، وأرسى مبدأ التكافل الاجتماعي ، محققا
توازنا في علاقة الفرد بالمجتمع. وقد جعل الإسلام
الزكاة ركنا من أركانه ،
وحدد أوجه صرفها تطبيقا لهذا التكافل.
الناس
سواسية كأسنان المشط ، ومبدأ المساواة هذا يجعل نظرة الإسلام إلى موضوع حقوق
الإنسان منصرفة إلى الإنسان أينما كان على اختلاف لونه ولسانه وهويته. فلا
عنصرية ولا تمييز. وهذا المبدأ متصل بمبدأ وحدة أصل البشرية في الإسلام.
فالله خلق الناس جميعا من ذكر وأنثى. وكلنا لآدم ، وآدم من
تراب.
لقد
عنى الفكر الإسلامي الحديث بالإسهام في الفكر الإنساني حول حقوق الإنسان ،
فشارك في صياغة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والوثائق الدولية الخاصة
بالحقوق الاجتماعية والاقتصادية. وقام بشرعها وتأسيسها في حضارة الإسلام.
ودعا إلى الالتزام بها نصا وروحا. وأبرز وثائق تاريخية تعطي أمثلة رائعة على
التطبيق العملي لهذه الحقوق. ومنها
حلف الفضول في آخر القرن الميلادي
السادس قبيل بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم ، وصحيفة المدينة بعد
بعثته.
أثمرت
هذه الدعوة إلى الالتزام بمواثيق حقوق الإنسان نصا وروحا في العالم الإسلامي
، حركة متنامية للدفاع عن حقوق الإنسان وممارستها عمليا وحمايتها من
الانتهاكات. وتنطوي تحت لواء هذه الحركة منظمات لحقوق الإنسان ومراكز بحث
تستلهف الوحي الإلهي في ممارستها ودراستها. ومن هذه المنظمات المنظمة العربية
لحقوق الإنسان التي نصت في نظامها الأساسي على احترامها للقيم الدينية. وقد
تصدت هذه الحركة للنوعية بحق الحياة ، وحق الكرامة
حماية العرض والسمعة ،
وحق الحرية الفكرية والسلوكية والتبليغية ، وحق المساواة ، وحق التمتع بالأمن
، وحق الارتحال ، والإقامة والسكن ، وحق العدالة في التعامل وفي القضاء ،
والحقوق الاقتصادية من عمل وملكية ، والحقوق العائلية ، وحق التعليم والتربية
، وحق الرعاية الصحية والاجتماعية ، وحق
الأقليات وحق اللجوء ، وحق
المواطنة ، وحق الضمان الاجتماعي ، والحقوق الأخلاقية ، من حق الجوار إلى حق
الزمالة والعمل إلى حق الصداقة إلى حق المعلم إلى حق الأخوة الدينية ، إلى حق
الشريك ، كما رأينا في بعض مؤتمراتها.
يولى
الفكر الإسلامي المعاصر وحركة حقوق الإنسان في العالم الإسلامي عناية خاصة
لحقوق المرأة والطفل والشيخوخة. وقد أثمرت هذه العناية نظرات يمكن أن تسهم في
معالجة أوضاع شاذة تتصل بهذه الحقوق في أنحاء مختلفة من عالمنا. ومثل على ذلك
رسالة إلى نساء العالم التي وجهها عدد من المفكرين بمناسبة انعقاد مؤتمر
المرأة العالمي في بكين عام 1995 ، ومثل آخر يتصل بحق الطفل في أن ينشأ في
أسرة ويعرف جذوره وانتمائه. ومثل ثالث يتصل برعاية الشيخوخة والحرص على
الأسرة الممتدة.
البيئة
والهوية
من
الموضوعات التي أصبحت محل اهتمام كبير في عالمنا المعاصر موضوع البيئة وموضوع
الهوية. والأول متعلق بكوكب الأرض التي يعيش الإنسان والمخلوقات الحية الأخرى
فيها. والآخر يتعلق بالإنسان الذي يعمر هذه الأرض ، ويعمد إلى التخريب فيها
أحيانا. وقد عظم إلحاح الموضوعين في ظل ثورة العلم التقني التي كان لها
مضاعفات على البيئة ، وكثفت الاتصال بين الناس فطرحت قضية الهوية.
مصطلح
البيئة حديث مثل هذه الثورة. و
البوء في اللسان العربي هو المرجع والقرار
واللزوم. وقد جاء فس القرآن الكريم
والذين تبوأوا الدار والإيمان. و
التبوؤ هنا هو
المسكن والألف والملتزم. وحين هاجر رسول الله
ص إلى
المدينة ، ورد أنه قال
ههنا المتبوأ ويدل المصطلح على
المحيط الذي يعيش
فيه الإنسان وما في هذا المحيط. وهكذا فإن بيئة الإنسان كما يقول على راضي
أبو زريق في بحثه
الإنسان والبيئة هي المكان الذي يوجد فيه الإنسان وما في
ذلك المكان من عوامل وعناصر تؤثر في تكوينه وفي أسلوب حياته. والبحث في
موضوع البيئة يشمل عنصر
المكان الذي هو أول عناصر البيئة. كما يشمل
الزمان الذي هو حركة المكان ، والماء والهواء ، والمعادن ومصادر الطاقة ،
والنبات والحيوان ، والإنسان.
فيما
يخص موضوع الحفاظ على البيئة
Ecological
Sustainability ، نجد أن الإسلام دينا وحضارة قادر
على الإسهام في دفع أخطار تهدد كوكبنا الأرضي ، بالرؤية الكونية التي يقدمها
لهذا الكون والحياة والإنسان. فالله أحسن كل شيء خلقه ، وخلق الإنسان في أحسن
تقويم ، وجعله خليفة في الأرض بعد أن أنشأه منها ، واستعمره فيها. وخلق كل
شيء بقدر. ونظم دورة الحياة بحسبان وتناغم. ودعا الإنسان إلى تعمير الأرض
التي جعلها ذلولا ، وإلى العناية بنفسه وبما حوله في بيئته استجابة لأمر الله
الذي سخر له مافي هذا الكون.
إن
الواقع الحضاري في عالمنا يكشف عن هذه الأخطار التي تهدد أمنا الأرض بفعل
طغيان بعض بني البشر على البيئة وامتهانهم لها والتعدي عليها بحجة قهر
الطبيعة. ويبدو لكثيرين في ضوء هذه الأخطار أن مستقبل الحضارة في عصرنا هو
محل تساؤل. وقد وقف أرنولدتوينبي طويلا أمام هذه اللحظة التاريخية وهو يكتب
في شيخوخته كتابه
الإنسان وأمه الأرض ، فرأى البشرية تأخذ بخناقها أزمة
خانقة ، والمستقبل مزعج بسبب ما يهدد المجال الحيوي ، وقرر أن التغيير الوحيد
الذي يمكن أن ينقذ هذا المجال هو زيادة القدرة الروحية للإنسان التي بها يغلب
الخير على الشر. والرؤية المؤمنة لهذا الواقع الحضاري ولهذه اللحظة التاريخية
فيه تكشف – كما أوضحت في كتابي
عمران لا طغيان – عن وجود إمكانية كبيرة
لاختيار الخير وانتصاره على الشر. وذلك باعتماد الرؤية المؤمنة التي تقدم
نظرة كونية ينطلق منها الإنسان إلى تبني مفهوم للحضارة يؤكد على
التعمير
ويقاوم التخريب الذي ي& |