|
زلزلة في العولمة وسعي نحو العالمية

العولمة
رؤية تحليلية لواقع الظاهرة ومستقبلها
موضوع هذه الورقة البحثية هو " العولمة .. رؤية تحليلية لواقع الظاهرة
ومستقبلها". وهو مطروح في ندوة "العولمة وأثرها على المجتمع والدولة" التي
ينظمها "مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية" في
أبو ظبي يومي 4 و
5/2/2001م. يأتي
انعقاد هذه الندوة في أوائل قرن ميلادي جديد وألفية ميلادية ثالثة ، وقد غدت
ظاهرة العولمة بعد مضي عقد على بروزها في ثوبها الحالي أكثر وضوحا. وذلك من
خلال انتشار فعلها التطبيقي ، وظهور تجلياتها في ميادين الاقتصاد والاجتماع
والثقافة والسياسة والاتصال والحضارة بعامة ، وتبين تحدياتها وما تتضمنه من
مخاطر وفرص ، وطرح إشكالياتها. وأصبحت من ثم إحدى قضايا العصر الأكثر إلحاحا
التي تستحق متابعة المعالجة الفكرية لها.
بدأ إلحاح هذه القضية منذ منتصف التسعينات. وقد لاحظ الكاتب قبل حوالي أربع
سنين حين كتب "تأملات في العولمة والهوية" لندوة أكاديمية المملكة المغربية
حول هذا الموضوع في ربيع 1997 "أن إلحاح قضية العولمة تعكسه وسائل الإعلام
التي يتردد الحديث فيها عن عولمة الاقتصاد والعولمة بعامة ، كما يدل عليه
العدد الكبير من الندوات والمحاضرات في محافل فكرية التي تعالج موضوع
الخصوصية الثقافية في ظل الكونية ، ويشير إلى هذا الإلحاح طرح القضية على
بساط البحث في مؤتمرات دولية. وقد لاحظت ماري فرنسوا بود
في حديثها عن "عولمة السوق" في مجلة رسالة اليونسكو (11/1996)
أن موضوع عولمة الاقتصاد كان على جدول أعمال قمة الدول الصناعية الذي انعقد
في ليون بفرنسان 6/1996 ، وأن
الحديث عن هذه العولمة احتل عناوين الصفحات الأولى في صحف كثيرة".
أجد نفسي اليوم أثناء تحضيري هذا البحث أمام فيض من البحوث الكتب التي صدرت
منذ ذلك الحين ، وكثير منها يتضمن في الاستهلال حديثا عن إلحاح قضية العولمة.
ومن أمثلة ذلك قول جلال أمين في مقدمة كتابه "العولمة" ليس هناك تعبيرا أكثر
تداولا الآن ، بين الكتاب والمعلقين على ما يجري في العالم ، من تعبير
"العولمة" أو "الكونية" وما يتصل بها من إشارات متكررة إلى "المتغيرات
الدولية" أو "العالم المتغير" ، وقول سيد ياسين في تقديم كتاب "العولمة
والطريق الثالث" لا نبالغ إذا قلنا أن العولمة كمصطلح ومفهوم أصبح من أكثر
المفاهيم ترددا على ألسنة الزعماء والقادة والسياسيين والباحثين والمثقفين في
مختلف أنحاء العالم. وقول جراهام طوبسون في مقدمته لعدد العولمة في المجلة
الدولية للشؤون الاجتماعية "بدأ مصطلح العولمة يحتل موقعا أساسيا في العلوم
الاجتماعية المعاصرة ، ومن ثم فإنه من المناسب والضروري أن تخصص هذه المجلة
عددا خاصا للكشف عن خصائص هذه العولمة ومضامينها .. (وهكذا .. وتلاحظ أكثر
هذه البحوث والكتب أيضا أن مفهوم العولمة بحاجة إلى مزيد من التوضيح وتعريف
المصطلح. وقد ذكر جراهام طوبسون في تحديد موقع العولمة أنه حين بدأ دراسة
قضية العولمة الاقتصادية مع زميله بول هيرست كانت النقطة الأولى التي فاجأتنا
هي افتقاد التعريف الواضح للمفهوم ، فكلمة العولمة تتداول بكثير من التغيرات
، ولكن المفهوم الواضح غير موجود".
الحاجة ماسة إذا للوقوف أمام ظاهرة العولمة وتقديم رؤية تحليلية لواقعها
ومستقبلها. وسوف نحرص ونحن نفعل ذلك على الإفادة من الدراسات التي تناولتها ،
وأن نأخذ في الاعتبار تكامل بحوث هذه الندوة. وهكذا نعرض بعد وصف الظاهرة
بإيجاز ، إلى تحليلها بالتعرف على مفهوم العولمة ومجالها المكاني والمشاركين
فيها ومضمونها والنظر في العوامل التي أدت إلى ظهورها ، وتتبع جذورها
التاريخية ، وتجلياتها وإشكالياتها وحصادها. وننتهي من ذلك إلى نتائج
نستخلصها لننتقل من ثم إلى تشوف مستقبلها وبلورة رؤية لها من خلال تتبع ما
تشهده العولمة من تطورات في المستقبل القريب وفي الأمد البعيد ، وما يجيش
فيها من تفاعلات بين أبعادها ، وما يحدث من تداعيات ومضاعفات بفعل هذه
التفاعلات ، وما هو مطروح بشأن توجيهها وحكمها.
أولا : في وصف هذه الظاهرة
في وصف الظاهرة نستذكر ما جاء بشأنها في تقرير "جوارنا الكوني" Our Global Neighborhood
الذي قدمته لجنة أممية حول "حاكمية قيادية كوكبية" في 11/1994
(أنها تحرك متسارع نحو عالمية متكاملة عزز إلغاء القيود التنظيمية ، والتفاعل
مع التغيرات المتسارعة في تكنولوجيا الاتصالات والحاسب). وقد (اقترن بهذا
التحول الحديث في النشاط الاقتصادي العالمي عديد من الأنشطة الأخرى لا تتسم
بطابع حميد ، بما في ذلك تجارة المخدرات والإرهاب ونقل المواد النووية ، تمت
عولمتها أيضا). وأسفرت الأنماط المتغيرة للنمو الاقتصادي خلال العقود الأخيرة
عن أقطاب جديدة محركة ، فقد أزاحت ألمانيا واليابان اللتان هزمتا في الحرب
العالمية الثانية كلا من المملكة المتحدة وفرنسا من زمرة النخبة الاقتصادية ،
وبدأ الاتحاد الأوروبي يباري الولايات المتحدة قوة اقتصادية ، وأخذت مناطق
جديدة لتذبذب صور لتعاون دولي منع عودة الأمراض التقليدية للظهور ولمكافحة
انتشار مرض نقص المناعة. وقد نجح هذا التعاون في محاصرة مرض الجدري توطئة
لاستئصاله وكذلك السل الرئوي والكوليرا. وأدى التقدم التقني إلى جعل الحدود
الوطنية مسامية بدرجة أكبر ، فالدول تحتفظ بسيادتها لكن الحكومات عانت من
تآكل سلطاتها ، فهي الآن على سبيل المثال أقل سيطرة على انتقال الأموال أو
المعلومات عبر الحدود ، وهي توجه ضغوط العولمة على أحد المستويات ، كما توجه
على مستوى آخر حركات الجماهير التي تطالب بنقل سلطات المركز إلى الأقاليم ،
الأمر الذي قد يؤدي أحيانا إلى تفكك النظام العام وانهيار المؤسسات في مواجهة
تفشي العنف).
علاقتها بظاهرة التغير
لقد أوضحت وأنا أقوم بوصف الظاهرة في بحثي الذي سبقت الإشارة إليه ، أن
ظاهرة العولمة وثيقة الصلة بظاهرة التغير التي يعيشها عالمنا في ظل ثورة
التقنية وثورة التحرير واللتين تفجرتا في نهاية الحرب العالمية الثانية
وأذنتا بقيام عالمنا المعاصر. وقد دخل هذا العالم المعاصر مرحلة جديدة بعد
الحرب الباردة في أعقاب انهيار الاتحاد السوفيتي. ويحدث هذا التغير سريعا ،
وعلى نطاق عالمي ، على مختلف الصعد ، وهو مستمر وله تداعياته.
كثيرة هي الكتابات التي فصلت شرح هذه الظاهرة. وقد أسهم فيها وأشار إلى
بعضها سيد ياسين في سلسلة مقالات عن الكونية نشرها في صحيفة الأهرام. وتلاحظ
هذه الكتابات أن أهم ملامح التغير في عصرنا هو الاتصال المتبادل ، وضغط الزمن
وتفكيك المؤسسات. ويتجلى التغير في مختلف جوانب الحياة ، ويلحق بكل هذه
المجالات. وهناك من يرى مع سيد ياسين أنه بفعل هذا التغير سقط النموذج الغربي
الذي كان مثلا يحتذى عند عدد من الدول ، وتآكلت قدرته على التصدي للمشكلات
المعاصرة. وهذا لا يحول دون حقيقة أن قوى الهيمنة الغربية مستمرة في محاولتها
فرض نموذج للعولمة أساسه هيمنة الولايات المتحدة على مجلس الأمن ، واستخدام
ما يسمى حق التدخل الدولي ، وطرح رؤية فكرية تساند ذلك تقول بانتصار
الرأسمالية ونهاية التاريخ!.
تشير هذه الكتابات إلى ما يحدث في أنحاء مختلفة من عالمنا من تغيرات تقنية
اقتصادية ، تتسم بابتكار آلات جديدة ، وأنظمة مستحكمة ، واستخدامات جديدة
لتلك الآلات بإيقاع بالغ السرعة. وآثار ذلك كثيرة ، وهي تؤدي إلى نتائج
متباينة حسب الظروف والقدرة على الفعل. ويلاحظ أن إيقاعها السريع لا يتيح
فرصة كافية لاستيعابها على غير ما كان عليه الحال في ثورتي الصناعة وثورة
التقنية الأولى. كما يلاحظ أن هذه الثورة المعلوماتية لاتزال في أولها. وهي
تتيح لبعض الجماعات والأشخاص إمكانية الهجوم على نظم المعلومات على الصعيدين
الوطني والعابر للحدود الوطنية. كما تتيح تواصل المنظمات والأفراد عبر شبكة
(إنترنت) ، سواء مما كان مؤيدا للنظم الحاكمة القائمة أو كان معارضا. والعالم
يشهد في ظل العولمة اهتماما خاصة من السياسيين بالاقتصاد وتركيزا على العوامل
الاقتصادية. وقد سجل سيد ياسين من ملامح التغيرات الاقتصادية الجارية
"استمرار حركة دولنة رأس المال والنزوع لوحدة الأسواق العالمية. وظهور قواعد
المجتمع المعلوماتي ما بعد الصناعي. وتحول الصناعات إلى مناطق جغرافية جديدة.
وإعادة تنظيم الشركات شبكيا بدلا من التنظيم الرأسي. وتفكيك المؤسسات الكبرى
وبروز عجز الحكومات عن السيطرة على الشركات.
هذا الملمح الأخير من التغيرات الخاص بما سيحدث لبنية الدول ووظائفها يدور
حوله حوار يتصل بين الباحثين في العلاقات الدولية. وهناك اتفاق على أن الدولة
التي قامت على أساس تقديس السياسة والدفاع على حدودها ، ستضطر إلى التنازل عن
بعض مظاهر السيادة. وسيتنامى دور الشركات متعدية الجنسيات في اتخاذ القرار
الاقتصادي في الدولة. وقد نشرت مجلة إيكونوميست البريطانية 4/1996 مقالا عن
حروب المستقبل أوضحت فيه نتائج التقنيات العسكرية الحديثة على مفاهيم الأمن
وطنيا وإقليميا ودوليا. ويتسم الحديث عن هذه التغيرات جميعها بعدم اليقين
والاحتمالات لأنه "نص ظاهرة التغير" و "عقدة تصعب قراءتها" ، كما عبر باسكال
بونيفاس في كتابه "إرادة العجز" الذي صدر بباريس عام 1996.
وضح أيضا أن لثورة الاتصال التي هي إحدى ثمار ثورة العلم التقني ، دورها
الخاص في تكوين هذه العولمة ، وقد تعددت وظائف الاتصال في عصر ثورة الاتصال
فشملت وظيفة إخبارية ، وأخرى تشرح وتفسر ، وثالثة تربوية ، ورابعة شورية
ديمقراطية ، وخامسة ترفيهية ، وسادسة تسويقية إعلانية ، وسابعة وظيفة خدمات
عامة ، وجميع هذه الوظائف تؤدي دورا تثقيفيا حيويا للإعلام ، كما يقول خبراء
العالم وتفسح المجال أمام "إعلام الترويج".
تداعيات ظاهرة العولمة
التداعيات في إطار ظاهرة العولمة متنوعة ومستمرة تسهم في التغير. فالإصرار
على فتح أسواق جديدة ساعد على تفكيك نظام الإنتاج ، فنتج عن ذلك أن زادت
تجارة السلع المصنعة على حساب المنتجات الأولية الزراعية والتعدينية والطاقة
، حيث غدت نسبتها 70% بعد أن كانت 50%. والتوسع في الاستثمار خارج الحدود
والبحث عن الأيدي العاملة أدى إلى زيادة نسبة البطالة في عدد من الدول
الصناعية. وأجبرت المجموعات الصناعية في هذه الدول على الاعتماد المتزايد على
التمويل الدولي. ونتج عن انخفاض تجارة المنتجات الأولية في الدول غير
الصناعية انتشار الفقر الذي بقي مشكلة بالغة الخطورة في عالمنا تتزايد في
كثير من أجزاء العالم بما فيها بعض الدول الصناعية ، كما يقول محرر المجلة
الدولية للعلوم الاجتماعية في افتتاحية عددها الخاصة بالفقر 6/1996
. الأمر الذي حدا بالأمم المتحدة إلى إعلان عام 1996 عاما لمكافحة الفقر
ونظمت أول عقد له بين عامي 1997 و 2006. وقد أجملت ماري فرانسوا بود في
مقالها آنف الذكر القول في العولمة الاقتصادية بأنها تضع البلدان الضعيفة في
وضع سيئ. وهذه الحقيقة جعلت عدنان شومان يضع عنوانا فرعيا لكتابه عن "اتفاقات
الجات الدولية" هو "الرابحون دوما .. والخاسرون دوما".
متوقع أن تكون لهذه التداعيات الاقتصادية لعولمة الاقتصاد تداعيات على الصعد
السياسية والاجتماعية والثقافية ، فالصلة وثيقة بين هذه الصعد والاقتصاد ،
ويلاحظ الخبراء أن عولمة الاقتصاد أدت إلى أن تتأثر اتجاهات السوق برأي السوق
أكثر من تأثرها بالقرارات السياسية ، من واقع أن ألف مليار دولار تنتقل حول
العالم كل يوم بحثا عن أكبر عائد. كما يتتبعون آثار الفقر على الصعيد
الاجتماعي وبني المجتمعات. ومن آثاره الهجرة واللجوء ، والتشرد ، وتزايد
الضغوط على الأسرة. وجميعها تقترن بمشكلات قائمة في عالمنا وتشغل تداعيات
عولمة الاقتصاد على الصعيد الثقافي بال أهل الرأي في مختلف المجتمعات ، من
واقع ما يرونه من محاولات قوى الهيمنة الاقتصادية "تنميط" سلوكيات البشر
وثقافتهم في المجتمعات كافة وإخضاعه لمركزية نظام المفاهيم والقيم والأنماط
السلوكية السائدة في الغرب في ظل النظام الرأسمالي ، بغية الإقبال على
الاستهلاك للمنتجات الغربية وتحقيق الانتصار الناجز والنهائي للرأسمالي الذي
رمز إليه زعم نهاية التاريخ بجعل المواطن في برا غ بالتشيك وفي رانجون ببورما
وفي طهران بإيران ، يرقص على أنغام موسيقى الروك ، يأكل سندويتشات ماكدونالدز
ويشرب الكوكاكولا ويشاهد C.N.N
، كما يقول محمود عبد الفضيل في ورقته "حقوق الإنسان الاقتصادية " !
ثانيا : في تحليل الظاهرة
مصطلح
العولمة
"العولمة"
هي واحدة من ثلاث كلمات عربية جرى طرحها ترجمة للكلمة الإنجليزية “Globalism”
التي تعني العالمية قد أوضح د.اسماعيل صبري عبد الله في بحثه لماذا فضل كلمة
كوكبة مشيرا إلى فعل كوكب في اللسان العربي ويؤيد في هذا التفضيل د. محمد
محمود إمام. وقد أوضحت في بحثي عن العولمة لأكاديمية المملكة المغربية أنني
لا أتحمس لكلمة الكونية ، وأن الشيوع سيحسم استخدام واحدة من كلمتي "العولمة"
و "الكوكبة" وربما كانت الغلبة للعولمة لشيوع استخدامها في هذه الفترة.
ماذا عن دلالة المصطلح؟
كثيرة هي التعريفات التي طرحت لشرح دلالة "العولمة" ومفهومها. وقد ركز
غالبها على العولمة الاقتصادية والسوق. ومنها تعريف اللجنة الأوروبية في عام
1997 الذي يقول "العولمة يمكن أن تعرف بأنها العملية التي عن طريقها تصبح
الأسواق والإنتاج في الدول المختلفة تعتمد كل منها على الأخرى بشكل متزايد
بسبب ديناميكيات التجارة في السلع والخدمات وتدفق رأس المال والتكنولوجيا.
وهي ليست ظاهرة جديدة ولكنها استمرارية للتطورات التي تتابعت لفترة طويلة.
وقد علق جراهام طوبسون على هذا التعريف بقوله "ربما نكون في حاجة إلى تعريف
وتحديد أوضح للعولمة بين أوجه الاختلاف بين ما نطلق عليه الاقتصاد العالمي
على مستوى الكوكب والاقتصاد العالمي بمفهوم التدويل" فهذا الأخير يمثل هيكلا
جديدا للعلاقات الاقتصادية غير المندمجة قوميا: وهو اقتصاد يعمل من أعلى
وبشكل مستقل عن الاقتصاديات القومية ووكلائها ويحدث تأثيره فيهم ويطبعهم
بصبغة معينة وشكل معين. وهو يشتملهم داخل ديناميكيته. وسوف يكون اقتصادا
يتملص من عنصر التوجيه ، ويجسد الخصائص الأساسية لقوى السوق غير المنتظمة
والتي لا يمكن السيطرة عليها.
لقد أورد عباس برادة السني في كتابه "العولمة الاقتصادية ملامح – أبعاد –
اتجاهات" عددا من التعريفات التي أعطيت على مستوى المؤسسات المالية الدولية
وفي إطار المنظمة العالمية للتجارة ومن طرف مختصين من رجال الفكر والاقتصاد
والسياسة ، وذلك في محاولة لتوضيح مفهوم العولمة. وانتهى إلى أنه يتبين من
التعريفات أن العولمة تعني الاندماج الكامل لمختلف دول العالم عبر نموذج
يستعمل السوق والتجارة والمال والتقنية والغزو الإعلامي لفرض زعامة أصحابه
وهيمنتهم. ولاحظ أن هذه التعريفات أعطت أهمية للجوانب الاقتصادية
والمعلوماتية ، وأنها تبقى مغشوشة لا تفي بالغرض ، نظرا لأن العولمة تبدو من
خلال الممارسة اليومية وكأنها لا تقتصر على هذه الجوانب فقط ، وكأن قوى
الهيمنة تستعملها أداة للتأثير ماديا ومعنويا على عناصر الوجود والبقاء للدول
والشعوب والحضارات. يضاف إلى ذلك أن العولمة لم تأت من عدم ، وأنها قامت على
أنقاض أوضاع تاريخية معينة". وهذه ملاحظات حيوية يستحق أخذها في الاعتبار .
وهي تدعونا بعد النظر للجانب الاقتصادي في العولمة إلى النظر في الجوانب
الأخرى الثقافية والسياسية والاجتماعية والحضارية بعامة. كما تدعونا إلى
استحضار الجذور التاريخية للظاهرة وإلى التمييز بين العولمة والعالمية.
هذه الجوانب الأخرى للعولمة تناولتها محافل كثيرة بالبحث ، ومن أحدثها
المؤتمر الدولي للثقافة في القرن 21 : آفاق التجديد واحتمالات التردي الذي
انعقد بالقاهرة يومي 6 و 7/2000
بدعوة من منظمة تضامن الشعوب الإفريقية الآسيوية. وكان محوره الأول "الثقافة
بين العولمة والخصوصيات القومية". وقد جاء في إعلان القاهرة الصادر عنه أن
مناقشات جادة وعميقة دارت حول الأوضاع الثقافية الراهنة ببلدان العالم الثالث
، وعلاقة ذلك بالعولمة ، من حيث كونها عملية تاريخية تمتد في أعماق الزمان من
ناحية ، ومن حيث كونها أيديولوجية النظام العالمي الجديد من ناحية أخرى.
وتطرق المشاركون في المؤتمر إلى الاحتمالات الكامنة خلف التطور اللاحق
للأوضاع الثقافية ، وعلاقات التأثير والتأثر والأخذ والعطاء بين شعوب العالم
، وإمكانات ازدهار أو تردي الثقافات المحلية في علاقاتها بالعولمة في كافة
تجلياتها". وهكذا فإن العولمة الاقتصادية التي يشهدها عالمنا لا تقف عند
البعد الاقتصادي في الظاهرة ، وإنما تعم تجلياتها مختلف الأبعاد الأخرى.
نلاحظ مما طرح من آراء حول هذه الدلالة ، أن هناك أكثر من اجتهاد. بدا هذا
واضحا في أوراق ندوة "العرب والعولمة" ، حيث كان كل واحد منها يركز على جانب
أو أكثر فيها. ومن هنا تبرز أهمية استحضار المفهوم الشامل الذي يحيط بالجوانب
جميعها. وقد طرحه تقرير جوارنا الكوني الذي سبقت الإشارة إليه ، وشرحه د.
اسماعيل صبري عبد الله. وهو أن العولمة ظاهرة تتداخل فيها أمور الاقتصاد
والسياسة والثقافة والاجتماع والسلوك. يكون فيها الانتماء للعالم كله عبر
الحدود السياسية للدول ، ويسهم في صنع هذه التحولات ظهور فعاليات جديدة هي
الشركات متعدية الجنسيات TNCS التي تتسم بالضخامة ، وتنوع الأنشطة ، والانتشار الجغرافي ، والاعتماد على
المدخرات العالمية ، وتعبئة الكفاءات من مختلف الجنسيات وتبرز بفعل قضايا لها
صفة العالمية مثل قضية
الممتلكات العامة البشرية من بحار وفضاء وقارة قطبية جنوبية ، وقضية صيانة
البيئة وتحركات سكان الأرض ، وقضية الفقر في العالم ، وقضية الجريمة المنظمة
، كما تثور تساؤلات لها صفة العالمية حول دور الدول في مثل هذه التحولات ،
ودور الجماعات الأهلية في أوطانها ، ودور المنظمات الأهلية متعدية الجنسيات
التي قامت مؤخرا في إطار العولمة في الغرب بخاصة ، فضلا عن دور منظمة الأمم
المتحدة والمنظمات المتخصصة المنبثقة عنها. وواضح أن للقوى المالكة للتقنية
الحديثة وللشركات متعدية الجنسيات وللمنظمات الدولية دورا متميزا في إطار هذه
الظاهرة.
|