logo


وزارة الأوقاف
المجلس الأعلى للشئون الإسلامية
المؤتمر الرابع عشر

حقيقة الإسلام في عالم متغير
المولد 1423، 20 ـ 23/5/2002
 

مستقبل العلاقة بين الحضارة الإسلامية والحضارات المعاصرة

أحمد صدقي الدجاني
 

في نطاق تناول موضوع "حقيقة الإسلام في عالم متغير"، الذي اختاره المجلس الأعلى للشئون الإسلامية بمصر العربية، موضوعاً لمؤتمر الرابع عشر المنعقد بالقاهرة في ذكرى مولد رسول الله محمد (ص) لعام 1423 (20 ـ23/5/2002)، يأتي هذا البحث ليتشوف "مستقبل العلاقة بين الحضارة الإسلامية والحضارات المعاصرة".

 

لقد تحدثت ورقة عمل المؤتمر في تقديمها لموضوعه عن "محاولات خلط للأوراق وربط ظالم بين الإسلام والإرهاب، في ظل ظروف ومتغيرات يعيشها عالمنا المعاصر وبخاصة بعد أحداث 11/9، واتهام العرب والمسلمين بمعاداة الحضارة وتشجيع الإرهاب". الأمر الذي يتطلب وقفة موضوعية تضع النقاط على الحروف بشأن حقيقة الإسلام، ونذكر أيضاً بعطاء الحضارة الإسلامية للحضارة الأوروبية، وبما قدمته هذه الحضارة  "من نموذج رائع للتعايش الإيجابي بين الأديان والحضارات". وانتهت الورقة إلى "أن هذا التوضيح والبيان يصب في نهاية الأمر في تحديد مستقبل العلاقة بين الحضارة الإسلامية والحضارة الغربية وغيرها من الحضارات". وهذا ما استهدفه المحور الرابع من محاور المؤتمر الخاص بالرؤية المستقبلية الذي يتكامل مع محاور حقيقة الإسلام، والعلاقة بالآخر، والجهاد.

 بغية الوفاء بالمطلوب من بحثنا، سوف نمهد أولاً بحديث عن المفاهيم، ثم نتعرف على المشهد الحضاري العالمي والحضارة الإسلامية ضمنه، لنصل إلى تشوف مستقبل العلاقات بين حضارتنا الإسلامية والحضارات المعاصرة.

 أولاً: تمهيد

حديث عن المفاهيم

الحضارة الإسلامية هي واحدة من حضارات عالمنا المعاصر. ولها دائرتها الحضارية التي تضم د(((
 

))) يتخصص فيه، فيتأدب ــ على حد تعبير أجدادنا ــ آخذاً من كل علم بطرف، ويعتز المجتمع بثقافته التي يتفرد بها لكونها نتاج امتزاج فكري نفسي عاطفي يوجه الإنسان، كما لاحظ د.أذرشب في ندوة التعاون العربي الإيراني، ويمكن أن نضيف "وروحيّ" أيضاً. وقد قدر أحد الباحثين الغربيين "ميردوك" وجود ثلاثة آلاف ثقافة في عالمنا كما أورد هاري شابيرو في كتابه "نظرات في الثقافة"، وثقافة مجتمع ما تصور ــ كما لاحظ ويل ديورانت في موسوعته قصة الحضارة "عملية الانتخاب الطبيعي الذي تقوم به تجارب لا حصر لها ..؛ كما تصور حكمة الأجيال التي تعاقبت في المجتمع فتجمعت تراثاً غزيراً". ويلاحظ العلماء أن للدين تأثيراً قوياً على الثقافة، شأن اللغة. وانطلاقاً من هذا التعريف يمكن أن نتحدث عن "ثقافة النوبة" مثلاً في وادي النيل، ومثيلاتها هنا وهناك في عالمنا، باعتبارها "ثقافة محلية"، وعن "ثقافة قطرية" هي جامع للثقافات المحلية.

 

والحضارة في أبسط تعريفاتها هي "نمط من الحياة يتميز بخطوط وألوان من الرقي.. وتقوم في دائرة من الاتساع المكاني والبشري والزماني.. وتتضمن نظماً ومؤسسات وقيماً ومعاني تنطوي الحياة عليها". والحضارة بفعل ذلك كله تضم العديد من الثقافات القطرية، في "جامع مشترك" تفاعل فيه الإنسان مع المكان والزمان، وكونته عناصر "الدين بما يوفره من رؤية كونية"، و"لسان جامع مشترك إلى جانب ألسنة أخرى" و"تاريخ وعادات ونظم" في دائرة واسعة ينتمي إليها حضارياً كل البشر المقيمين في هذه الدائرة على اختلاف أقوامهم ومللهم وأنماط حياتهم وشرائحهم الاجتماعية، وقد عرف تاريخ الإنسان قيام عدد من الحضارات وازدهارها وأفول بعضها.

 

وعُمران

والعمران هو مصطلح اقترحه ابن خلدون في مقدمته للدلالة على نمط الحياة بوجه عام، جاعلاً إياه أحدث الخواص التي تميز بها الإنسان عن سائر الحيوانات، وهو التساكن والتنازل في مصر أو حلة للإنس بالعشير واقتضاء الحاجات لما في طباعهم من التعاون على المعاش. ومن هذا العمران ما يكون حضرياً ومنه ما يكون بدوياً. وقد استلهم ابن خلدون المصطلح من الهدى القرآني "هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها". (هود 61). والعمران في اللسان العربي هو نقيض الخراب وعُمر الإنسان هو اسم لمدة عمارة البدن بالحياة، وهكذا يكون تعمير العالم المدلول الإيجابي للتغير، لأن التغيير يمكن أن يكون سلبياً فيغدو تخريباً. وقد آن الأوان ونحن ننظر في مستقبل الحضارة ونرى ما يتم باسم التحضر على صعيد الإخلال بالبيئة وبمحيطنا الحيوي وعلى صعيد الهندسة الوراثية أن نميز بين التعمير الحضاري وأي تخريب وأي تخريب في إطار الظاهرة الحضارية. وهذا ما دعا كاتب هذا الحديث إلى اقتراح مصطلح العمران الحضاري للدلالة على التوظيف الإيجابي لمنجزات الحضارية في كتابه "عمران لا طغيان".

 

ودائرة حضارية

في ضوء هذه المصطلحات الثلاثة الثقافة والحضارة والعمران، تتضح معالم مصطلح "الدائرة الحضارية" الذي يدل على حضارة نشأت وازدهرت، في رقعة من الأرض يسكنها أقوام وملل وشعوب وقبائل وأمم شاركوا في إقامتها وانتموا إليها بثقافاتهم المحلية والقطرية. وقد عني التاريخ الحضاري بدراسة الظاهرة الحضارية في الاجتماع الإنساني عبر العصور، وبالتعرف على المجتمعات الحضارية التي ظهرت فيه، وبتحديد دوائرها الحضارية، وذلك منذ أن أرسى قواعدها ابن خلدون. ووقف أرنولد توينبي في دراسته الجامعة "دراسة في التاريخ" أمام واحد وعشرين مجتمعاً حضارياً حفظ لنا التاريخ أخبارهم، ظهروا في مختلف القارات، أشار إلى مجتمعات توقفت عن النمو الحضاري مثل الإسكيمو، وانتهى إلى أن هناك سبعاً من الحضارات بقيت ولكل منها دائرته الحضارية.

 

إن تعدد الحضارات التي قامت في الاجتماع الإنساني حقيقة يكاد يجمع عليها المختصون بالتاريخ الحضاري من المؤرخين. وقد فند هؤلاء مقولة نفر من المؤرخين الغربيين الذي ظهروا في عصر الاستعمار الأوروبي التي زعمت وجود حضارة واحدة هي حضارة الغرب الوارثة لحضارة الإغريق والرومان، وكل من كان خارج دائرتها فهم "برابرة". وهو التعبير الذي أطلقه بعض الإغريق القدماء على غيرهم. وكان لتوينبي جهد بارز في هذا التفنيد، وهو الذي كتب "العالم والغرب"بهذا الهدف. ولافت أن التاريخ الحضاري شهد ازدهاراً في القرن العشرين الميلادي، في مختلف أنحاء عالمنا، أسهم فيه عدد من المؤرخين العرب والمسلمين. ويسجل كاتب هذا الحديث فضل بعض هؤلاء على جيله وعليه، ومنهم شكيب أرسلان ومالك بن نبي وجورج حداد استاذ الحضارة في الجامعة السورية في الخمسينيات وقسطنطين زريق وجمال حمدان الجغرافي المؤرخ وزكي نجيب محمود وأنور عبد الملك وآخرون. ولا يزال القول بحقيقة تعدد الحضارات في عالمنا اليوم هو الغالب، وإن برز رأي يقول بأن الحضارة الغربية باتت في عصر ثورة الاتصال التي نشهدها حضارة كونية، وقد أشار هنتنجتون في مقاله إلى ف.س.نايبول الذي طرح هذا الرأي وزعم أن حضارة الغرب كونية كلية تناسب كل الناس. وطرح هذا الرأي مؤخراً محمود أمين العالمالذي تساءل "هل هناك حضارات متعددة في عصرنا الحالي أم هناك حضارة واحدة؟" وأجاب "بأن الحضاري كان موجوداً طوال التاريخ الماضي، بينما تسود في عصرنا الراهن حضارة واحدة غربية المنشأ رأسمالية". وخالفه كثيرون شرحوا حقيقة تعدد الحضارات اليوم، ونجد مثلاً على ذلك في ندوة مجلة المستقبل العربي صراع حضارات أم تعدد ثقافات، في العدد 12/1988 التي شارك فيها معه السيد ياسين وأسامة خليل وقيس جواد العزاوي والحق أن تخلل بعض الإنجازات المادية الغربية الحضارات الأخرى، لا يعني انتهاء هذه الحضارات، لأن ما يميز بين حضارة وحضارة ثقافتها وقيمها ورؤاها الكونية، وما الإنجازات المادية الغربية إلا ثمرة الإنجازات المادية للحضارات جميعاً التي تراكمت عبر العصور، ولذا لاحظ دارس الحضارات سهولة انتقالها في إطار التفاعل الحضاري على عكس انتقال الأفكار. وقد فصل قسطنطين زريق شرح ذلك في حديثه عن تفاعل الحضارات.

 

عناصر الدائرة الحضارية

وبعد.. فإن مفهوم الدائرة الحضارية في ضوء ما سبق، ووفقاً للتعريف الذي أوردناه يتضمن عنصراً جغرافياً وآخر بشرياً سكانياً وعنصراً ثالثاً تراثياً ثقافياً حضارياً عمرانياً تحكمه رؤية كونية يوفرها الدين في غالب الأحيان والفلسفة الوضعية حيناً كما في العلمانية الغربية.

 

ثانياً: المشهد الحضاري العالمي وحقائق حضارتنا

ننظر في الدوائر الحضارية في عالمنا المعاصر. فنجد أن علماء التاريخ  الحضاري المعتمدين يطرحون آراء متقاربة بشأنها، مع اختلاف حول نقاط بعينها. فهم متفقون على حقيقة تعددها. وقد رأى أرنولد توينبي حوالي منتصف القرن العشرين أنها سبع دوائر بقيت من المجتمعات الحضارية التي تتبعها في "دراسته للتاريخ" وبلغت واحد وعشرين، وهذه الدوائر السبع الباقية هي الحضارة الغربية وتشمل عنده أوروبا والأمريكتين الشمالية والجنوبية، والحضارة الإسلامية، والحضارة الهندوكية، والحضارة الصينية، والحضارة الكورية اليابانية، والحضارة المسيحية البيزنطية، والحضارة الأرثوذكسية المسيحية الروسية. وحين عمد صموئيل هنتنجتون إلى تحديد هذه الدوائر عند كتابة بحثه المثير للجدل حول صراع الحضارات في عام 1993، مستنيراً بدراسة توينبي الجامعة، ذكر الغربية، ولكنه أخرج منها أمريكا الجنوبية، وجعل لها فرعين فقط الأوروبي والأمريكي الشمالي، وقال بوجود حضارة أمريكا لاتينية في أمريكا الجنوبية. كما ذكر الحضارات الإسلامية، والهندوكية، والصينية التي سماها الكونفوشوسية، واليابانية والأرثوذكسية "السلافية" مستبدلاً هذا المصطلح بالروسية. وذكر أخيراً احتمال وجود حضارة أفريقية قائلاً "وربما الإفريقية". ونكتفي بتسجيل هذين الرأيين لشهرة كلا منهما في الغرب وفي العالم بعامة.

 

ثماني دوائر حضارية في عالمنا

الرأي الذي نطمئن إليه بعد إعمال فكر وإمعان نظر، هو أن هناك اليوم ثمان دوائر حضارية يمكن التمييز بينها تكشفها النظرة المحيطة، وتسود في كل منها حضارة غالبة لها خصائصها. فهناك الغربية بفرعيها الأوروبي والأمريكي الشمالي، والحضارة الأمريكية الجنوبية التي جاءت ثمرة تفاعل حضارة المستعمرين المستوطنين الغربية القادمين من شبه جزيرة أيبريا مع حضارة سكان البلاد الأصليين مع الحضارة الأفريقية المتأثرة بالحضارة الإسلامية، ونحن مع الرأي الذي يميزها عن الحضارة الغربية. وهناك الحضارة الهندوكية في الهند، وهناك الحضارة الأرثوذكسية السلافية في روسيا وأوروبا الشرقية الجنوبية. وهناك الحضارة الأفريقية السائدة في جنوب الصحراء في قارة أفريقيا، والحضارة الإسلامية بفروعها في آسيا وأفريقيا.

 

وقفة أمام دائرة الحضارة الأفريقية

يجدر الوقوف هنا لتأكيد حقيقة وجود دائرة حضارية أفريقية، وذلك في ضوء عدم ذكر توينبي لها وقول هنتنجتون باحتمال وجودها. والحق أن نظرة متأنية لتاريخ أفريقيا العام الذي جمعته منظمة اليونسكو في سبعة مجلدات في عهد مديرها العام أحمد مختار أمبو، تؤكد أن هذه الحضارة كانت قائمة في أنحاء مختلفة من أفريقيا قبل حلول كارثة الاستعمار الأوروبي للقارة والنهب الاستعماري لها والذي شمل فيما شمل الكثير من الوثائق المكتوبة. وقد تفاعلت هذه الحضارة مع الحضارة الإسلامية بفرعها الأفريقي بخاصة الذي عم أفريقيا شمال الصحراء وشرق أفريقيا، فجرى استخدام الحرف العربي أحياناً في كتابة لغات أفريقية. وهناك اليوم صحوة علمية إزاء هذه الحضارة يتوقع لها أن تكشف الكثير عنها، كما كشفت البحوث العلمية الغربية ازدهار حضارة أمريكا قبل كولمبس المكسيكية والانكا والإنديز والمايا. والأمل أن تسهم مراكزنا العلمية الثانية. وكم طاب لي مؤخراً حين التقيت بأخي أحمد مختار أمبو زميلي في أكاديمية المملكة المغربية أن استزيد من علمه بهذه الحضارة، فسمعت منه ما يستحق حديثاً مفصلاً ليس هذا مجاله.

 

حلقات مركزية وتخوم

حين نتأمل كلاً من هذه الدوائر الحضارية نلاحظ وجود حلقة مركزية فيها تحيط بها حلقات تنتهي بمحيط الدائرة الذي هو تخومها مع بقية الدوائر. وللحلقة المركزية موقع متميز، كما أن للتخوم أهميتها. وفي دائرتنا الحضارية الإسلامية يمثل جزء من الوطن العربي هذه الحلقة المركزية فيها مصر وفلسطين وبلاد الشام والعراق والجزيرة العربية، وتخوم الدائرة تقوم مع الدوائر الأفريقية والهندوكية والصينية والغربية والأرثوذكسية السلافية، في قارات أفريقيا وآسيا وأوروبا.

إن تخوم أي دائرة حضارية يمكن أن تكون مناطق وصل بين الحضارات في عهود السلم، كما يمكن أن تكون مناطق فصل في عهود الحرب حين تنشب نزاعات وتحتدم صراعات. ووفقاً للرؤية الكونية التي تحكم الحضارة تكون النظرة إلى هذه التخوم ويكون التعامل معها. ولقد تجلى هذا الأمر في الفرضية التي انطلق منها صموئيل هنتنجتون في كتابه "صدام الحضارات" مؤخراً. والفرضية التي قدمها هي بكلماته "أن المصدر الأساسي للنزاعات في هذا العالم الجديد لن يكون مصدراً (((

 

))) وسيسطر الصدام بين الحضارات على السياسات الدولية. وبذلك ستكون الخطوط الفاصلة بين الحضارات هي خطوط المعارك في المستقبل". فالرؤية هنا تحكمها فكرة "الصراع" ولذا أصبحت النظرة إلى التخوم على أنها خطوط معارك بين الدوائر الحضارية. وعلى العكس من ذلك حين تكون الرؤية الكونية محكومة بفكرة أن الله جل وعلا خالق كل شيء خلق الناس من ذكر وأنثى وجعلهم شعوباً وقبائل ليتعارفوا، ومن ثم ليتعاونوا على البر والتقوى، فإن النظر إلى التخوم تصبح على أنها مناطق وصل بين الدوائر الحضارية وليس مناطق فصل. وهذا هو الشأن في حضارتنا الإسلامية التي ظهر فيها رمز "السندباد" البحري والبري. فالتعارف والتعاون على البر والتقوى هو الأصل بين العلاقات بين الدوائر الحضارية والاستثناء هو الصراع يحدث "طغيان" يبغي بغير حق.

 

موقع دائرتنا الحضارية

في ضوء ما سبق يتضح مكان دائرة الحضارة الإسلامية من دوائر حضارات عالمنا المعاصر وبينها. فهي واحدة منها تجاور خمسة أخرى، وهي تمتد في قلب المساحة التي تشغلها قارات عالمنا الثلاث آسيا وأفريقيا وأوروبا، وهي تشهد من ثم تفاعلات حضارية قوية. كما يتضح أيضا موقع وطننا العربي في هذه الدائرة، في مركزها وفي طرفها الغربي حتى شاطئ الأطلسي.

 

وقفة أمام اسم دائرة الحضارة الإسلامية

في ختام هذا الجزء من حديثنا نستشعر الحاجة إلى وقفة أمام الأسماء الشائعة للدوائر الحضارية ومن بينها اسم حضارتنا. ويلفتنا أن بعضها سمي بمكان الدائرة، وواحدة وفق الجهة، وبعض برز في اسمه الدين الغالب. فالأفريقية والأمريكية الجنوبية واليابانية أعطى المكان أسماؤها. والغربية نسبة إلى الغرب وكانت قبل امتدادها أمريكا الشمالية تعرف الأوروبية نسبة إلى المكان. والهندوكية نسبة إلى الدين الغالب. والكونفوشوسية الصينية والأرثوذكسية السلافية برز في اسميهما الدين والأقوام. أما الإسلامية فأخذت اسمها من الإسلام. وقد حبذ بعض مؤرخي الحضارات العرب إضافة كلمة العربية الإسلامية. وذلك للإشارة إلى أن اللسان العربي الذي أنزل به القرآن الكريم كان لغة التعبير الأولى، وأن للعرب دور في حمل رسالة الإسلام ونشرها، كما أن لوطنهم مكان مركزي في هذه الدائرة الحضارية. ويحبذ آخرون الاقتصار على كلمة الإسلامية تجنباً لإثارة حساسيات الانتماءات القومية في هذا العصر الذي قامت فيه الدول القطرية، وتوخياً للاختصار.

 

واضح أن للرؤية الكونية، ديناً كانت أو فلسفة، مكان خاص ودور خاص في كل هذه الحضارات، سواء منها من حملت اسماً يشير إلى الدين الغالب أو من لم تحمل. ومعلوم أن للبوذية والشنتوية مكانهما في الحضارة اليابانية، شأن المسيحية الكاثوليكية في الأمريكية الجنوبية، شأن الأديان الأفريقية في الأفريقية، وهذه تستحق أن ندرسها. وإذا كانت العلمانية بفلسفاتها غلبت على الحضارة الغربية في القرنين الأخيرين إلا أن المسيحية بمذهبها الكاثوليكي ونحلها المتفرعة من المذهب البروتستانتي كان لها تأثيرها الفعال فيها. وهذا ما نراه في أوروبا المتوسط حيث الكاثوليكية وفي الشمال الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية وكندا حيث تنتشر النحل البروتستانتية .

 

بقي أن نقول إن بروز الرؤية الكونية المؤمنة في الحضارة الإسلامية لدى المسيحيين والمسلمين المؤمنين بالله جعل كثيرين في الغرب يستعملون كلمة "الإسلام" للدلالة على هذه الحضارة بجميع من ينتمي إليها. وذا هو المدلول الحضاري لكلمة الإسلام يضاف إلى مدلول رسالة الإسلام الخاتمة ورسالات الإسلام التي سبقت.

 

حرب العولمة الجارية

نتابع التعرف على المشهد الحضاري لعالمنا المعاصر‘ فأجد عند كتابة هذه السطور في مطلع الأسبوع الثاني من شهر أبريل نيسان 2002، محرم 1423 أن دائرتنا الحضارية مستهدفة بحرب العولمة التي يشنها العولميون "القارونيون الجدد" عليها بقيادة الإدارة الأمريكية. وفي نطاق هذه الحرب يقوم جيش المستعمرين المستوطنين الصهاينة العنصريين منذ  /3/2002 بحرب إبادة على الشعب العربي الفلسطيني تستهدف إخضاعه وإخضاع الأمة وإنهاء انتفاضة الأقصى ضد الاحتلال الإسرائيلي ضد الاحتلال الإسرائيلي لوطنه وللقدس التي أكملت شهرها الثامن عشر وذلك عد أن أعلنت الإدارة الأمريكية يوم 11/3 بدء المرحلة الثانية في هذه الحرب. وكانت قد باشرت المرحلة الأولى في أفغانستان في 7/10/2001 إثر زلزلة 11/9/2001 التي أصابتها. ويواجه الشعب العربي الفلسطيني هذه الحرب بمقاومة بطولية للمستعمر المستوطن الصهيوني تمنع في نطاق ظاهرة المقاومين لطغيان العولمة وطغوتها وهيمنتها. وقد فصلنا عن هذه الحرب في بحث مستقل.

 

المشهد الحضاري وتأملات فيه

إن المشهد الحضاري لعالمنا المعاصر اليوم مستمر في خطوطه الأساسية منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية وقد سبق أن وقفنا أمامه في مطلع عقد تسعينات القرن العشرين في كتابنا "عُمران لا طغيان" فوجدنا بداية مناخاً من نوع خاص مخيم عليه فيه ما يبعث على التفاؤل والكثير مما يبعث على التشاؤم. وقد أشارت السيدة فرو هارلم برونتلاند رئيسة اللجنة العالمية للبيئة والتنمية إلى هذا المناخ في مقدمتها لتقرير اللجنة الذي صدر مؤخراً باسم مستقبلنا المشترك، فذكرت كيف وقعت مآس عدة خلال إعداد التقرير مثل المجاعات الأفريقية، وتسرب الغاز في مصنع المبيدات في بوبال بالهند، والكارثة النووية في تشيرنوبيل في الاتحاد السوفيتي، بينما أزمة الديون تفعل فعلها في الدول (((((
 

 )))) تقرير مستقبلنا المشترك أضواء على واقع عالمنا الحضاري، شأن كثير من التقارير الأممية والدراسات التي صدرت حديثاً. فهناك إيجابيات في هذا الواقع يوقف أمامها فنحن نستطيع أن ننقل المعلومات والبضائع عبر كوكبنا بأسرع مما كان في أي وقت مضى، ونستطيع أن ننتج غذاءً أكثر باستثمار موارد أقل، وتقدم لنا تكنولوجيتنا وعلومنا، على الأقل، القدرى على النظر بصورة أعمق في أنظمة الطبيعة وفهمها بشكل أفضل. ومن الفضاء نستطيع أن نرى وندرس الأرض كنظام تتوقف صحته على صحة جميع أجزائه. ونحن نملك القدرة على المواءمة ما بين الجهود البشرية وقوانين الطبيعة، ونؤمن ازدهار خلال ذلك وفي هذا يستطيع تراثنا الثقافي والروحي أن يعزز مصالحنا الاقتصادية ويدعم ضرورات بقائنا. وهناك في هذا الواقع نجاحات منها انخفاض معدلات الوفيات بين الأطفال، والزيادة في طول أعمار الناس، وارتفاع نسب البالغين القادرين على القراءة والكتابة في العالم، ونسبة الأطفال الذين يدخلون المدرسة، وزيادة الإنتاج العالمي للغذاء بأسرع من نمو السكان. لكن هذه العمليات نفسها التي أدت إلى هذه المكتسبات هي التي أوصلت إلى إخفاق على صعيد التنمية من منظور عالمي تجسده هذه الفجوة ما بين أمم غنية وأخرى فقيرة التي تتسع بدل أن تضيق وتدل عليه أرقام عدد الناس الجائعين في العالم والأميين منهم وعدد المحرومين من المياه النقية أو المساكن الصالحة. كما أوصلت هذه العمليات إلى إخفاق في إدارة بيئتنا البشرية بفعل اتجاهات بيئية تهدد بتفجير كوكبنا وتهدد بالخطر حياة العديد من الكائنات الحية التي تقطنه. ففي كل سنا تتحول ستة ملايين هكتار من الأرض الجافة المنتجة إلى صحارٍ. وهناك أكثر من أحد عشر مليون هكتار من الغابات تدمر سنوياً وتقتل الأمطار الحامضية غابات وبحيرات وتخرب التربة. ويؤدي حرق الوقود الأحفوري إلى نشر ثاني أكيد الكربون في الجو مما يتسبب في الزيادة التدريجية للحرارة في العالم. وتهدد غازات صناعية أخرى باستنزاف غلاف الأوزون الذي يحمي الكرة الأرضية إلى الحد الذي يمكن أن يرتفع معه بشكل حاد عدد إصابات الناس والحيوانات بالسرطان، وتتعرض للاختلال دورة الغذاء في المحيطات. وتطرح الصناعة والزراعة مواد سامة في مكونات الدورة الغذائية للإنسان وفي طبقات المياه الباطنية إلى حد يتجاوز إمكانية التطهير.

 

يخرج المتأمل في الواقع الحضاري في عالمنا أيضاً بأن الأواصر بين البيئة والتنمية أواصر معقدة وهي في حالات كثيرة لا تفهم على الوجه المطلوب. لكن النظرة الشاملة للأمن الدولي والقومي يجب أن تتجاوز التركيز التقليدي على القوة العسكرية وسباق التسلح. فالمصادر الحقيقية لانعدام الأمن تشمل أيضاً التنمية غير المستديمة. وقد تحدث تقرير مستقبلنا المشترك وهو ينبه إلى هذا الأمر عن الإجهاد البيئي كمصدر للنزاع وعن النزاع كسبب للتنمية غير المستديمة. فالتفاعل بين الفقر والظلم وتدهور البيئة والنزاع جار على قدم وساق وبطرائق معقدة وفعالة. ومن مظاهره ظاهرة ما يسمونه لاجئ البيئة التي تشتمل أسبابها الكامنة على تردي قاعدة الموارد الطبيعية وقدرتها على إعالة السكان، ومثل عليها أحداث القرن الإفريقي منذ السبعينات التي شهدت هرب زهاء عشرة ملايين أفريقي في عامي 84 ـ85 من ديارهم بسبب الحروب التي نشبت إثر حدوث الجفاف وكان من أسبابها سوء استخدام الأرض المستمر على فترة طويلة. وواضح أن سوء الاستخدام هذا م&